الشيخ محمد رشيد رضا
390
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أهل الكتاب غلوا في الدين ، وسرت عدوى هؤلاء وأولئك إلى كثير من المسلمين ، فصاروا يبثون في الأمة أن أصل الدين وروحه وسره في تعذيب النفس وحرمانها من الطيبات والزينة . وقد كذب اللّه الجميع بقوله عز وجل قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ أي قل أيها الرسول لامتك : هي - أي الزينة والطيبات من الرزق - ثابتة للذين آمنوا بالأصالة والاستحقاق في الحياة الدنيا ، ولكن يشاركهم غيرهم فيها بالتبع لهم ، وان لم يستحقها مثلهم ، وهي خالصة لهم يوم القيامة - أو حال كونها خالصة لهم يوم القيامة . ( فقد أنافع « خالصة » بالرفع على أنها خبر والباقون بالنصب على الحالية ) - وقيل : ان المعنى هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة من المنغصات ولكنها تكون لهم يوم القيامة خالصة منها . وهذا المعنى صحيح في نفسه . ولكن المتبادر هو الأول . كما تدل عليه الآيات الناطقة بأن دين اللّه الحق يورث أهله سعادة الدنيا والآخرة جميعا كقوله تعالى ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) وقوله تعالى ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ) وقد بينا هذا المعنى مرارا وبيان هذا أن المؤمنين انما كانوا أحق من الكافرين بهذه النعم لأنهم أجدر بما تتوقف عليه في ترقيها من العلوم والفنون والصناعات التي أرشدهم إليها الاسلام بما حثهم عليه من معرفة سنن اللّه تعالى في خلقه . وما أودعه في هذه المخلوقات من الحكم والمنافع والآيات البينات الدالة على قدرته وعلمه وحكمته فيما أحكم من صنعها . وعلى رحمته وجوده واحسانه إلى عباده بتسخيرها لهم ، ولأنهم أحق بشكره عليها بلسانهم وجوارحهم وقلوبهم . فالمؤمن يزداد علما وإيمانا بربه والهه كلما عرف شيئا من سننه وآياته في نفسه أو في غيرها من الموجودات . ويزداد شكرا له كلما زادت نعمه عليه بالعلم وثمرات العلم فيها . ولذلك ذكرنا جل ثناؤه في أول هذا السياق بمنته علينا بتمكيننا في الأرض وما جعل لنا فيها من المعايش وبما يجب من شكره عليها . وقد بينا أن من أصول الشكر قبول النعمة واستعمالها فيما وهبها المنعم لأجله وهو شكر الجوارح . ولا يكمل شكر الاعتقاد بأنها من فضله وشكر اللسان بالثناء عليه الا بشكر الأعضاء العملي وهو الاستعمال . وفي حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي